علي بن أحمد المهائمي

110

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( والصنف الآخر ) قد تزكت نفسه عن هذه الرذيلة فيكون من أهل الحضور ، ( بعثه على السؤال ) علمه بأن بعض المطالب تتوقف على السؤال ؛ ( لما علم أن ثمة ) أي : في التقدير الأزلي ( أمورا ) جليلة ( عند اللّه ، قد سبق العلم ) الإلهي ( بأنها ) لجلالتها عند اللّه ( لا تنال إلا بعد السؤال ) المتضمن مزيد التذلل ، وقد يكون ذلك في الأمور الخسيسة أيضا ؛ لكن السؤال بذلك لا يكون من أهل الحضور وتوقفها على سؤالهم ليظهر خستهم ، فإذا كان سؤال أهل الحضور من هذا القبيل « 1 » . ( فيقول : فلعل ما نسأله فيه سبحانه يكون من هذا القبيل ) فيه إشارة إلى أنه ليس من شأن الكامل ترك السؤال ؛ لأنه كالاعتراض على اللّه تعالى ، والاختيار عليه ، وترك الرضا بما عنده ، بل إنهم يسألون لما علموا من رضاه في ذلك لمزيد التذلل عنده ، وتوقيفه المسؤول عليه فليس فيه اعتراض عليه ، ولا اختيار ، ولا ترك رضا . وإنما قال : لعل ؛ لأنه يخاف من نفسه أن يكون بدعة للطمأنينة قبل الاتصاف بها كما قال يوسف عليه السّلام عن نفسه : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ، وفيه تنبيه للمريدين ؛ فإنهم لا يسوغ لهم الجزم في أمثال هذه المواضع . ثم أشار إلى وجه كونه ليس باعتراض ، ولا اختيار ، ولا ترك رضا بقوله : ( فسؤاله احتياط لما هو الأمر ) أي : أمر المسؤول أي : التقدير الأزلي ( عليه من الإمكان ) أي : من إمكان توقفه على السؤال ، فإن توقف فلا يفوته بترك السؤال مع أنه أمر جليل عند اللّه ، وإن لم يتوقف حصل بكل حال مع ما في السؤال من مزيد التذلل ، ولما توهم من قوله فسؤاله احتياط أنه يناقض قوله ، لما علم أشار إلى دفعه بقوله : ( وهو ) أي : هذا السائل بطريق الاحتياط ( لا يعلم ما في علم اللّه ) هل هو متوقف على السؤال أم لا ، وحضوره مع اللّه تعالى ، وتزكية نفسه عن رذيلة الاستعجال لا يستلزم كونه مطلعا على العلم الأزلي تفصيلا ، وإن صار مكاشفا به إجمالا كيف وهو لا يعلم ما هو أقرب من ذلك ، إذ ( لا ) يعلم ( ما يعطيه استعداده في القبول ) قيد بذلك ؛ لأنه قد علم بالكشف الحاصل عن تزكية نفسه أنه قد حصل له استعداد السؤال لا محالة على ما سيصرح به ؛ ( لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمان فرد ) « 2 » قيد بذلك ؛ لأنه قد يتيسر لأمل الحضور الوقوف على استعداده لأمر ما في بعض الأزمنة ؛ لكونه مكاشفا قد تزكت نفسه مع أنه يعسر عليه الوقوف في كل زمان فرد ( على استعداد الشخص ) لما يقبله ( في ذلك الزمان ) ؛ لأن غاية ما يحصل بالتزكية في حق الأكثرين الوقوف الإجمالي دون التفصيلي حتى قال أكمل

--> ( 1 ) ف ( الأول ) صاحب استعجال ، و ( الثاني ) راجم بالغيب بمجرد الاحتمال . ( 2 ) أي غير منقسم ، وهو الآن الذي لا يتجزأ .